كتب - رئيس التحرير

أتصور أنه عندما اتجه كبار رجال الدولة لسماع خطاب الرئيس مبارك يوم الاثنين الماضي في مدينة أنشاص. لاحت في مخيلتهم ذكري نكسة ..1967 هذه الهزيمة الظالمة لجيش لم يحارب قبل 42 عاماً كلفتنا سلاحنا الجوي بأكمله الذي ترتكز عليه كل جيوش العالم في تحقيق التفوق الميداني ومد ذراع السيطرة لحسم المعارك.
كانت أنشاص أول مدينة في الوطن العربي وإفريقيا يتم فيها تشغيل أول مفاعل نووي أو ذري.. ونتذكر أن الطموحات ولدت كبيرة مع قائد الثورة جمال عبدالناصر.. في العروض العسكرية انبهر جيلي بصواريخ القاهر والظافر.. تصورنا أننا أصبحنا دولة عظمي وأن هذه الصواريخ ستحمل رءوساً نووية.. كان هناك خبراء صواريخ ألمان في مصر يتولون تكنولوجيا التوجيه والإطلاق.. والطاقة النووية متاحة حسب تصورنا فماذا تبقي لنتحول إلي أكبر قوة إقليمية تلقي بإسرائيل واليهود في البحر.. لكننا فوجئنا باغتيال تل أبيب للخبراء الألمان بالخطابات الملغومة ثم جاءت الهزيمة العسكرية البشعة والضربة الجوية الإسرائيلية التي شلتنا وعطلت أهم سلاح في المعارك وهو سلاح الطيران.
مرت صور حرب 67 وانتصار أكتوبر العظيم أمامي وأنا أتابع الرئيس وهو يلقي خطابه أثناء لقائه بوحدات القوات الخاصة بالقوات المسلحة.. كان مبارك قد تولي قيادة الكلية الجوية التي انتقلت إلي بلبيس القريبة من أنشاص ليعاود تخريج جيل جديد من الطيارين استعداداً لمعركة الحسم.. وفي فترة زمنية قصيرة نجح الرئيس في تخريج الطيارين الذين خاضوا معارك الاستنزاف ثم الانتصار في حرب أكتوبر.
انتقال الكلية الجوية إلي بلبيس كان أول إصلاح حقيقي لمعالجة الآثار السلبية للنكسة.. روح أكتوبر بدأت عندما تخرج طيارون جدد من بلبيس وكانت المعجزة أنهم تدربوا في وقت قياسي ومع ذلك امتلكوا مهارات عالية.
وكلما مرت بالشرق الأوسط أزمات وتوترات أتذكر أنشاص وبلبيس.. الأولي كانت مثالاً للريادة العلمية التي تحولت في وقت ما إلي "غرور" لم نكن نملك مقوماته فلحقتنا الهزيمة! والثانية نذكرها كمثال علي أننا نستطيع الإنجاز ونملك الإرادة والعزيمة حتي لو كنا تحت ركام اليأس وحطام الخيبة وأنقاض الضعف والمذلة والهوان.
دائماً تعود مخيلتي إلي أنشاص الحلم الذي أجهضناه وبلبيس الأمل الذي زرعناه وحصدناه نصراً عزيزاً مؤزراً.. أنشاص وبلبيس مدينتان يعرفهما كل مصري بأنهما من معالم محافظة الشرقية. لكنهما تحولا في فترة حكم الرئيس مبارك إلي رمزين هامين من ركائز فلسفة الحكم وهما الأمل والإصلاح..لقد ظلت انشاص تمثل في ذاكرة الأجيال أملا في أن تصبح مصر دولة نووية.. وبقيت بلبيس رمزا آخر لأن من يتعرض لكبوة يمكن أن يجري بقية المشوار ويسابق الريح.
.. واليوم ومصر توقع عقدا مع الاستشاري النووي لتصبح الدولة النووية الأولي عربيا علينا أن نحفظ في ذاكرتنا ما حدث في انشاص وبلبيس.
مكانة مصر العالمية ودورها الذي يتحدث المعارضون كثيرا عن انها فقدته ولم تعد تحتله كما كانت في الستينات والسبعينات تأكدت بعد توقيع عقد الاستشاري النووي.. حصول مصر علي الطاقة النووية للأغراض السلمية يؤكد أشياء كثيرة. أهمها ان هذه المنطقة الملتهبة بالتوتر والمتفجرة بعدم الاستقرار لم تمنع القاهرة من أن تحصل علي حقها في الاستخدام السلمي للطاقة رغما عن الضغوط الاسرائيلية.
نظام الحكم الرشيد في هذا البلد يجعل العالم مطمئنا الي أن امتلاك مصر المقدرة الذرية لن يتهدده أفكار متطرفة أو مغامرات لقوي سلفية ورجعية كما يلوح حاليا في باكستان وايران.
مصر "العبقرية" تواجه قضاياها الداخلية ولا تنشغل عن دورها الاقليمي وارتباطه بأمن واستقرار الشرق الأوسط والخليج والبحر الأحمر والسودان ومنابع النيل.. وفي الوقت ذاته لا تنحرف من قائدها بوصله المصلحة العليا للوطن.
الرئيس مبارك استطاع بمهارة وحنكة أن يحتفظ بعلاقات متوازنة مع مختلف القوي الدولية المؤثرة.. لم تنجذب مصر الي "دوامات" أو أمواج عاتية في منطقة البحار المتلاطمة التي تعيش فيها.. حافظ الرئيس علي اتزان الدفة فلم ينزلق الي مغامرات.. رعي قواته المسلحة فلم يقحمها في مغامرات أو يدفع بها وراء صرخات حماسية أو دعاوي نضالية.. رسخ مفهوم الزعامة الحقيقية وليس بطولات الفضائيات وكلاشينكوف الحناجر التي جلبت الخراب علي الشعوب وقضت علي الاقتصاد وبددت الثروات.
أعود للرمزين اللذين اشرت اليهما وهما انشاص وبلبيس.. أو الأمل والاصلاح.. الأول تحقق في الحصول علي طاقة نووية سلمية دون أن يضغط أحد علي قرارنا السياسي وسيادتنا.. حصلنا علي الطاقة الذرية في وضح النهار مع عدم التعرض لأي ضغوط أو عقوبات أو اتهامات بالتخصيب أو سرقة بلوتونيوم.. مصر دولة لها كوادرها العلمية المتخصصة والموثوق فيها..
عظمة التحول للطاقة النووية السلمية انها تجيء في خضم أزمة مالية عالمية الأمر الذي يعني أن هذه الدولة قادرة علي تحقيق الحلم دون أن تجور علي احتياجات الفقراء أو محدودي الدخل.
أما الإصلاح الذي رمزت إليه في هذا المقال ببلبيس فلم يكن اصلاحاً للقوات المسلحة والقدرة القتالية وكفاءة الطيارين فقط. ولكنه كان اصلاحاً للدولة وهياكلها .. والهبوط بها من أضغاث الأحلام إلي واقع أرض صلبة نتحرك عليها بخطوات مدروسة وبشراكة وندية مع المجتمع الدولي.
أن أهم نتائج الاصلاح التي تحققت لمصر لا تكمن فقط في الاداء الاقتصادي المتميز والصمود في وجه أزمة عالمية اخضعت العمالقة ولا تنحصر في التشريعات القانونية والسياسية التي اضافت الكثير لصورة الديمقراطية في مصر. وإنما ترتكز هذه النتائج في أن مصر خرجت من نطاق المساعدات والهبات والمنح والقروض والمعونات إلي إطار الشراكة مع أوروبا وأمريكا والقوي البازغة.. شراكة تعي دورنا وتقدره وتساعدنا في تحركنا أزاء المستقبل.. شراكة تحافظ علي رغيف العيش ولا ترهنه لتنفيذ معونات مشروطة.
يكفي فخراً لمصر انها تحضر قمة الدول الثماني الكبري في إيطاليا لتتحدث بلسان القارة الأفريقية والدول النامية وهذا أكبر دليل علي أن القاهرة شريكة للعالم المتقدم وأن لها رؤية في إصلاح المؤسسات المالية النقدية العالمية.. مصر رغم أنها ليست في قمة اقتصاد الصين والهند والبرازيل والمكسيك إلا أنها تملك الخبرات الفنية والاقتصادية التي تستطيع المشاركة في تخفيف أعباء الدول النامية .. وما أكثرها!
لقد ابلغت الوكالة الذرية مصر رسميا أمس بإغلاق ملف بعض ملاحظاتها حول مفاعل أنشاص .. الأمر الذي يقطع بتعاون مصر مع المنظمة الدولية وانه ليس لديها ما تخفيه.. لكنها في الوقت ذاته تملك قرارها السيادي الخاص فيما يتعلق بأمنها والحفاظ علي قواتها المسلحة لتدافع عن أراضيها ضد الأطماع والطموحات.
نأمل أن تتعلم الأجيال الجديدة من درس أنشاص وبلبيس.. من الحلم والاصلاح.. من تطوير الواقع وتحفيزه لتحقيق الحلم.
ما كنا لنحقق هذه القفزة الكبري لولا إيماننا بقدراتنا واستعدادنا المبكر لأزمة عالمية طاحنة وسيذكر التاريخ أننا خرجنا من الأزمة العالمية باقتصاد اكثر قدرة وبنية أساسية تضمنت للمرة الأولي في العالم العربي استخدام الطاقة النووية سلمياً.. وبقوات مسلحة قوية وقادرة وباقتصاد انجز الكثير ولم يسمح لأحد بالضغط عليه أو احتكار السلع والمواد الغذائية الواردة إلينا.
وأخيراً علينا أن نعرف أن السلام الذي وقعناه قبل 30 عاماً مع إسرائيل لم يلغ استنفارنا العسكري. ولم يقتل طموحاتنا ولم يجعلنا نعيش علي المعونات أو نتحول إلي دولة "سلبية" تتنصل من دورها الاقليمي المهم في أمن واستقرار الشرق الأوسط وأمن الخليج والبحر الأحمر وأمن المتوسط .. علي العكس عزفت مصر لحن التميز ببراعة لافتة لم تفرط.. لم تلهث.. لم تتنازل .. لم تساوم حول حق أو تهرب من واجب أو تنكفيء هاربة من خطر.. لذلك ستبقي مصر اللاعب الرئيسي في هذه المنطقة.